سرقة الكريبتو: قراصنة كوريا الشمالية ينهبون المليارات

تصاعد غير مسبوق في الهجمات السيبرانية على قطاع العملات المشفرة

تشهد الساحة المالية الرقمية مرحلة حرجة مع تسجيل مستويات قياسية في عمليات سرقة الكريبتو، حيث كشفت بيانات موثوقة أن قراصنة تابعين لكوريا الشمالية تمكنوا من الاستيلاء على ما يقرب من 7.4 مليارات دولار خلال عام 2026 وحده.

سرقة الكريبتو

ويمثل هذا الرقم الضخم نحو 85% من إجمالي العملات الرقمية المسروقة عالميًا حتى أواخر شهر أكتوبر، مما يسلط الضوء على تحول استراتيجي خطير في أساليب الهجوم التي تهدد أمن المؤسسات المالية الرقمية في شتى أنحاء العالم.

أوضحت شركة TRM Labs المتخصصة في أبحاث سلاسل الكتل أن الخسائر الإجمالية لقطاع التشفير قفزت إلى مستوى تاريخي بلغ 8.7 مليارات دولار، مدفوعة بالحادثة الكبرى التي تعرضت لها مؤخرًا منصة Binance والتي أسفرت وحدها عن نهب قرابة 6.36 مليارات دولار. ولا تقتصر الأزمة على حجم المبالغ المنهوبة فقط، بل تمتد إلى طبيعة التكتيكات المتطورة؛ إذ يتجنب المهاجمون مهاجمة أكواد العقود الذكية مباشرة، مفضلين استهداف الثغرات البشرية والخوادم الداخلية الحساسة.

كيف ينفذ المهاجمون عمليات سرقة الكريبتو واختراق الأنظمة؟

أظهرت التحليلات أن الاعتماد على مهاجمة البنية التحتية شكل نحو 88% من إجمالي الأموال التي استحوذ عليها قراصنة كوريا الشمالية بعد احتساب واقعة منصة Binance، مقارنة بنحو 76% قبلها. وتختلف هذه الاستراتيجية جذريًا عن ثغرات العقود الذكية التقليدية التي مثلت تاريخيًا قرابة نصف عدد الهجمات الإجمالية لكنها لم تتجاوز 15% من القيمة الإجمالية للمبالغ المسروقة، مما يؤكد تركيز المجموعات المنظمة على العمليات ذات العائد المالي الضخم.

أسلوب التسلل عبر الموظفين والمطورين

تعتمد الهجمات أسلوبًا دقيقًا أطلقت عليه التقارير اسم التحول من الشفرة إلى الحفظ، وفيه ينتحل القراصنة صفة مسؤولي توظيف أو مستثمرين للتواصل مع المطورين والعاملين في شركات العملات المشفرة. يقنع المهاجمون الضحايا بتحميل ملفات خبيثة أو اختبارات برمجية وهمية، وبمجرد تثبيتها، تسرق البرمجيات بيانات تسجيل الدخول ومفاتيح الأمان ورموز الوصول إلى السحابة، مما يتيح للمخترقين الدخول إلى أدوات توقيع المعاملات وتحويل الأموال لصالحهم.

استهداف خوادم المنصات وأنظمة التوقيع

تتجاوز بعض العمليات الأفراد لتضرب الأنظمة مباشرة، تمامًا كما حدث مع مشروع KelpDAO حينما سيطر القراصنة على عُقد اتصال داخلية وأغرقوا العقد الخارجية بالزيارات الوهمية. وخلال حادثة منصة Binance، استغل المهاجمون 50 تفويضًا مسبقًا للمعاملات على شبكة إيثريوم واستطاعوا اختراق نظام التوقيع للمحافظ الساخنة عبر شبكات بلوكتشين متعددة، وهو ما يبرهن على أن حصانة الأكواد البرمجية وحدها لا تكفي لحماية الأصول الرقمية.

مسارات غسل الأموال وتبييض الأصول المسروقة

تتبع الجهات المهاجمة خطوات معقدة لإخفاء مسار الأموال ومنع تتبعها، حيث تبدأ بتقسيم المبالغ بين محافظ جديدة وتفريغها تدريجيًا عبر معاملات صغيرة متتالية. تلي ذلك عمليات مبادلة سريعة للأصول عبر الجسور الرقمية ومنصات التداول اللامركزية، مثل استخدام شبكة THORChain لتحويل مبالغ طائلة إلى عملة بيتكوين، فضلًا عن تمريرها عبر خدمات خلط العملات لقطع الصلة بين العناوين، وصولًا إلى تسييلها نقدًا عبر وسطاء ومنصات صغرى.

أما في الحادثة الأخيرة الخاصة بمنصة Binance، فقد عمد المنفذ إلى بيع جزء من الأصول عبر صانعي السوق واستخدم بروتوكول Aave ومنصة JustLend لاقتراض أموال بضمان الأصول المنهوبة. وتشير التقديرات إلى أن المحافظ التابعة للمهاجم ما زالت تحتفظ بأكثر من 420 ألف عملة إيثريوم ونحو 18,270 عملة بيتكوين، بقيمة تقارب 2.4 مليار دولار لم يتم تصريفها بعد.

تجميد مليارات الدولارات: دور العملات المستقرة

على الرغم من فداحة الاختراق الأخير، أثمر التعاون السريع بين المؤسسات عن إيقاف حركة نسبة معتبرة من الأموال، حيث جرى تجميد ما يقارب 2.7 مليار دولار، وهو ما يعادل 42% من إجمالي المسروقات في تلك الواقعة. وتوزعت المبالغ المجمدة بين عدة جهات فاعلة:

  • نجحت شركة Tether في حجز نحو 1.77 مليار دولار من عملة USDT.
  • تمكنت شركة Circle من تجميد قرابة 825 مليون دولار من عملة USDC.
  • أوقفت شركة Ripple حوالي 40.5 مليون دولار من عملة RLUSD.
  • جمد مشروع World Liberty Financial نحو 27.8 مليون دولار من عملة USD1.
  • ساهم مجلس أمان شبكة Arbitrum في تجميد ما يقرب من 30 مليون دولار.

يعود الفضل في هذه الإجراءات إلى الطبيعة المركزية للعملات المستقرة، إذ تملك الشركات المصدرة لها القدرة التقنية والقانونية على حظر العناوين المتورطة في نشاط إجرامي. في المقابل، تفتقر شبكات لامركزية مثل بيتكوين وإيثريوم إلى أي كيان قادر على تجميد المعاملات، مما يجعل استرداد الأموال شبه مستحيل بمجرد تحويلها إلى تلك العملات، ويؤكد أهمية سرعة التدخل المؤسسي المشترك.

إرشادات عملية لتعزيز أمان المحافظ الرقمية

يتحتم على المستثمرين والمتداولين اتخاذ تدابير استباقية صارمة لتفادي مخاطر التصيد والاحتيال في ظل تنامي هجمات سرقة الكريبتو الموجهة ضد البنية التحتية، ومن أبرز هذه الخطوات:

  • حماية العبارات الاستردادية والمفاتيح الخاصة وعدم إدخالها في أي مواقع واردة عبر رسائل غير موثوقة.
  • استخدام المحافظ الباردة لتخزين المبالغ الاستثمارية طويلة الأجل وتجنب إبقائها في محافظ متصلة بالإنترنت.
  • تفعيل المصادقة الثنائية باستخدام تطبيقات التوثيق المخصصة أو مفاتيح الأمان الفيزيائية بدلًا من الرسائل النصية.
  • الحذر التام من عروض التوظيف وفرص الاستثمار الوهمية وعدم تنزيل أي أدوات أو أكواد برمجية مجهولة المصدر.
  • تحديث أنظمة التشغيل وبرمجيات المحافظ بانتظام والامتناع عن تثبيت إضافات المتصفح المشبوهة.
  • توزيع الأصول الرقمية على محافظ منفصلة بحسب طبيعة الاستخدام للحد من حجم الخسائر في حال التعرض لأي اختراق.
  • التدقيق الدقيق في تفاصيل العناوين والصلاحيات الممنوحة قبل توقيع أي معاملة على شبكة البلوكتشين.
Sam
Sam
تعليقات