تتجه أنظار المستثمرين حول العالم إلى أول اجتماع للجنة السوق المفتوحة التابعة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بقيادة الرئيس الجديد كيفن وورش، والذي يُنظر إليه باعتباره أحد أهم الأحداث الاقتصادية خلال العام الجاري.
ورغم أن الأسواق تتوقع على نطاق واسع إبقاء أسعار الفائدة دون تغيير، إلا أن التركيز الأكبر ينصب على الرسائل التي سيبعث بها وورش بشأن مستقبل السياسة النقدية واتجاه أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.
وتراقب أسواق العملات الرقمية والأسهم والذهب والعملات الأجنبية هذا الاجتماع عن كثب، نظرًا لتأثيره المباشر على السيولة العالمية وشهية المستثمرين للمخاطرة.
توقعات بتثبيت أسعار الفائدة
تشير التقديرات الحالية إلى أن الاحتياطي الفيدرالي سيبقي أسعار الفائدة ضمن النطاق الحالي بين 3.5% و3.75%، وذلك للمرة الرابعة على التوالي.
ويأتي هذا التوجه في ظل استمرار التضخم فوق المستوى المستهدف البالغ 2%، إلى جانب قوة سوق العمل الأمريكي واستمرار النشاط الاقتصادي بمستويات مستقرة نسبيًا.
لكن رغم التوقعات بعدم إجراء أي تعديل فوري على الفائدة، فإن المستثمرين يترقبون التحديثات الجديدة للتوقعات الاقتصادية وما يعرف بخريطة النقاط "Dot Plot"، والتي توضح رؤية أعضاء الفيدرالي لمسار الفائدة مستقبلاً.
هل تتراجع توقعات خفض الفائدة؟
خلال الاجتماعات السابقة، توقع مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي تنفيذ خفض واحد للفائدة خلال عام 2026.
إلا أن ارتفاع معدلات التضخم خلال الأشهر الماضية دفع بعض أعضاء البنك المركزي إلى تبني مواقف أكثر تشددًا، ما قد يؤدي إلى تقليص توقعات خفض الفائدة أو حتى الإشارة إلى احتمال رفعها إذا استمرت الضغوط التضخمية.
ويرى محللون أن كيفن وورش قد يسعى إلى تعديل أسلوب التواصل التقليدي للفيدرالي، عبر تقليل الإشارات المسبقة للأسواق ومنح صناع القرار مرونة أكبر في التعامل مع التطورات الاقتصادية.
التضخم لا يزال يمثل التحدي الأكبر
تظهر البيانات الاقتصادية أن متوسط التضخم خلال فترة رئاسة جيروم باول للاحتياطي الفيدرالي بلغ نحو 3.09%، وهو أعلى متوسط بين رؤساء البنك المركزي الأمريكي خلال العقود الأخيرة.
في المقابل، سجل بن برنانكي متوسط تضخم بلغ 1.84%، وهو الأقرب إلى الهدف الرسمي للفيدرالي عند 2%.
أما من ناحية أسعار الفائدة، فقد شهدت الولايات المتحدة تفاوتًا كبيرًا بين الفترات المختلفة، حيث بلغ متوسط الفائدة 4.8% خلال فترة آلان غرينسبان، و1.5% خلال عهد برنانكي، و0.5% خلال رئاسة جانيت يلين، قبل أن يرتفع المتوسط إلى 2.6% خلال فترة باول.
تراجع أسعار النفط يخفف بعض الضغوط
شهدت أسعار الطاقة ارتفاعات ملحوظة في وقت سابق من العام بسبب التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
لكن التطورات الأخيرة، بما في ذلك التهدئة السياسية وتحسن حركة الشحن عبر مضيق هرمز، ساهمت في تراجع أسعار النفط مجددًا.
وانخفض خام برنت إلى نحو 83 دولارًا للبرميل، وهو ما قد يساعد في تخفيف بعض الضغوط التضخمية التي كانت تشكل مصدر قلق رئيسيًا للفيدرالي.
BTC والأسواق المالية تراقب السيولة
أصبح تأثير قرارات الاحتياطي الفيدرالي يمتد إلى مختلف فئات الأصول، بما في ذلك العملات الرقمية.
فبعد سنوات كانت فيها بيتكوين تتحرك وفق عوامل خاصة بسوق الكريبتو، باتت اليوم أكثر ارتباطًا بدورات السيولة العالمية والسياسة النقدية الأمريكية.
وفي حال تبنى وورش لهجة متشددة وأشار إلى استمرار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، فقد يتلقى الدولار دعمًا إضافيًا، ما قد يشكل ضغطًا على الأصول عالية المخاطر مثل BTC والأسهم.
أما إذا جاءت تصريحاته أكثر مرونة وأظهرت استعدادًا لتخفيف السياسة النقدية مستقبلاً، فقد يشهد السوق موجة صعود جديدة مدفوعة بتحسن شهية المستثمرين للمخاطرة.
لماذا يعتبر هذا الاجتماع مهمًا؟
تكمن أهمية الاجتماع الحالي في كونه أول اختبار حقيقي لنهج كيفن وورش كرئيس للاحتياطي الفيدرالي.
فالمستثمرون لا يبحثون فقط عن قرار الفائدة، بل يحاولون فهم رؤية الإدارة الجديدة لمستقبل الاقتصاد الأمريكي والتضخم والسيولة.
ولهذا السبب، قد يكون تأثير المؤتمر الصحفي والتوقعات الاقتصادية المصاحبة للاجتماع أكبر من تأثير قرار الفائدة نفسه.
ومع استمرار حالة الترقب في الأسواق، يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان الفيدرالي سيحافظ على نهجه الحذر الحالي أم سيبدأ بإرسال إشارات جديدة قد تعيد رسم اتجاه الأسواق العالمية خلال النصف الثاني من عام 2026.