العملات المستقرة وتعزيز الطلب على السندات الأمريكية

توسع متسارع يرسخ هيمنة الدولار عالميًا

أكدت تحليلات صادرة عن بنك إنجلترا Bank of England أن الانتشار المتزايد لقطاع العملات المستقرة يلعب دورًا محوريًا في تعزيز المكانة الدولية للدولار الأمريكي، من خلال تسهيل الوصول إلى الأصول المقومة بالدولار وأنظمة التسوية خارج حدود الولايات المتحدة.

العملات المستقرة

وأوضحت العضو الخارجي في لجنة السياسة المالية للبنك، كارولين ويلكينز، أن العملات المرتبطة بالدولار تمتلك أسبقية التأسيس والتوسع، حيث تشكل نحو 98% من إجمالي القيمة السوقية لهذا القطاع.

وشهدت القيمة الإجمالية لأصول العملات المستقرة المتداولة قفزة هائلة، لتصل إلى ما يقارب 300 مليار دولار بحلول منتصف عام 2026، مقارنة بأقل من 5 مليارات دولار في بدايات عام 2020. وعلى الرغم من أن الاستخدام الأكبر لهذه الأصول لا يزال يتركز في تداول الأصول الرقمية والضمانات والإقراض، إلا أن توجهها نحو عمليات الدفع والتحديث المالي الدولي يتزايد بخطى ثابتة.

تسهيل التحويلات المالية وخفض تكاليف التسوية

تتميز المعاملات المعتمدة على الأصول الرقمية المستقرة بكونها تعمل على مدار الساعة، ومُتيحة للتحويلات عبر الحدود دون الحاجة للمرور بجميع شبكات البنوك المراسلة التقليدية. وتوضح الدراسات أن هذا النموذج يسهم في تخفيض التكاليف في الممرات المالية التي تعاني من بطء أو ارتفاع رسوم الخدمات البنكية:

  • بلغ متوسط تكلفة إرسال حوالة بقيمة 200 دولار نحو 6.4% على المستوى العالمي في عام 2024.
  • وصلت تكلفة التحويلات في مناطق مثل إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى نحو 8.5%.
  • تتيح الأصول الرقمية للمواطنين في الدول ذات العملات الضعيفة فرصة الاقتناء والاحتفاظ بأصول مقومة بالدولار عبر الهواتف الذكية دون الحسابات المصرفية الأمريكية.

في المقابل، لا تزال العملات المستقرة المربوطة باليورو أو الجنيه الإسترليني متأخرة بفارق شاسع؛ إذ لم تتجاوز القيمة السوقية الشاملة للعملات المستقرة المقومة باليورو نحو 650 مليون يورو، رغم تجاوز إصدارات عملة EURC التابعة لشركة Circle حاجز 400 مليون يورو.

تدفقات الأصول نحو أذون الخزانة الأمريكية

تعتمد الشركات المصدرة لهذه الأصول الرقمية على استثمار الأموال المحصلة في أصول احتياطية عالية السيولة، تشمل الديون الحكومية قصيرة الأجل واتفاقيات إعادة الشراء. وأظهرت البيانات الصادرة عن بنك التسويات الدولية أن شركة Tether المصدرة لعملة USDT وشركة Circle المصدرة لعملة USDC حازتا معًا على أذون خزانة أمريكية بقيمة تقارب 150 مليار دولار بنهاية عام 2025، بعد صافي مشتريات بلغ 33 مليار دولار خلال العام ذاته.

وقد انعكست هذه الاستراتيجية بشكل مباشر على أرباح الشركات المصدرة؛ حيث حققت شركة Tether أرباحًا تشغيلية بلغت نحو 1.5 مليار دولار خلال الربع الثاني من عام 2026 بفضل عوائد سندات الخزانة. كما تضاعف متوسط التداول لعملة USDC التابعة لشركة Circle ليصل إلى 76.2 مليار دولار في الربع الرابع من عام 2025، محققة عائدًا بنسبة 3.8% على محفظتها الاحتياطية.

مخاطر تصفية الاحتياطيات وفترات الضغط المالي

يحذر الخبراء من أن الهيكل المالي الذي يضخ الأموال في أذون الخزانة أثناء فترات النمو قد يتقلب ليمارس ضغوطًا بيعية حادة عند رغبة المستثمرين في استرداد أموالهم. ونظرًا لأن تداول الأصول يستمر دون انقطاع، قد تضطر الشركات إلى تصفية حيازاتها السريعة من السندات لتوفير السيولة النقدية، مما قد يفاقم من اضطرابات أسعار الفائدة والسيولة في أسواق الدين الحكومي المجهدة بالأساس.

وتعيد هذه المخاوف إلى الأذهان حادثة تعثر بنك Silicon Valley Bank في مارس 2023، حين كانت شركة Circle تحتفظ لديه بنحو 3.3 مليار دولار، مما أدى حينها إلى فقدان عملة USDC لتعادلها مع الدولار مؤقتًا قبل تدخل السلطات التنظيمية لحماية الودائع.

تباين الأطر التنظيمية بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة

على الصعيد التشريعي، أقر الجانب الأمريكي قانون GENIUS Act في يوليو 2025، والذي يفرض على المصدرين تغطية كل دولار رقمي باحتياطي كامل من الأصول المؤهلة كالنقود وأذون الخزانة قصيرة الأجل. ويتوقع مكتب مراقب العملة OCC إتمام القواعد النهائية بحلول نوفمبر 2026 لتصبح نافذة في مارس 2027، مع إلزام الشركات التي تتجاوز قيمتها 50 مليار دولار بتدقيق سنوي وتقارير أسبوعية.

أما في المملكة المتحدة، فيتبنى بنك إنجلترا Bank of England ومجلس السلوك المالي FCA معايير أكثر صرامة فيما يتعلق بسيولة الاحتياطيات وإدارة الأزمات للعملات ذات الأهمية النظامية، مع التخطيط لإتمام الإطار التنظيمي النهائي بنهاية عام 2026، واستمرار التجارب الفنية عبر البيئات التجريبية لتنظيم الإصدارات المستقبليّة.

Sam
Sam
تعليقات